المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نزار قباني


فؤادو
03-02-2008, 08:59 PM
http://www.alimbaratur.com/All_Pages/Tornado_Stuff/Tornado_35/A.jpg

صانع الشعر وغرام النساء وأشكال الحداثة

لم تدرك الثقافة العربية وهي في فوضى الحداثة الشعرية وتعميماتها، الطابع التمردي لشعر الحب عند نزار قباني، ولا ارتباط شعره بما هو معاش ومحسوس بعيدا عن هذيان التجريد وفوضى ألغازه، وإن حاولت حداثتنا تحويل كل ما هو يومي إلى مجرد، وحاولت إضفاء طابع إسطوري على النص الشعري بوساطة الرموز، فإن شعر نزار حول كل ما هو حميمي في حياتنا إلى إسطورة خالدة من:

جوارب النساء المخرمة إلى مشدات الصدر المرمية على السرير، من رسالة الحب إلى الهاتف، ومن القبلة التائهة إلى القبلة المقصودة، ولذا فقد استحق في ثقافتنا لقب المجنون والتائه والكافر والملعون والمهرج، كما أنه الخارج عن القانون بامتياز.

إن حداثة نزار قباني حداثة مجنونة، حداثة مشردة، حداثة تبحث عن حب يكشف سرا من أسرار وجودنا وفكرنا، إنها تأريخنا، إنها روحنا وما يهدد روحنا، إنها المختلف في أوضاع الحداثة المتشابهة، إنها كشف عن قوانينا التي تعمل في داخلنا بشكل خفي، إنها تأمين لاضطرابنا حتى وإن نبذتها وأنكرتها قوانينا الرسمية، إنها بحث دائم لدفع هذا الضغط الذي يمارس لتقنين سلطانها على أحلامنا، لقد خلق نزار قباني صدعا على مستوى العلاقة بين الذات وبين القوانين الاجتماعية والأخلاقية والسياسية، فإن رسمت نماذج آدونيس وأنسي الحاج والسياب وعبد الوهاب البياتي في الخمسينيات قوانين التضاد والاختلاف والصراع والصدمة على المستوى السياسي فإن شعر نزار قباني حقق بشكل عنيف الصدمة الاجتماعية والأخلاقية في المجتمع العربي في تلك الحقبة، لقد خلق وظيفة شعرية إشكالية مباشرة أمام الأخلاق العامة والثقافة الأخلاقية، وقد زعزع مفهوم التقنين العاطفي الذي مارسه وعي حضارة بالكامل وذلك من خلال مساءلته.

موقع الجسد ومسرح الحياة

لقد اتسمت الحداثة الشعرية العربية بالطابع النقدي، وقد صنع نزار نوعا من التطابق بين وعي الحداثة الغربية ووعي الواقع الاجتماعي، ومن خلال هذا الوعي المزدوج تعد قصيدة الحب لدى نزار قباني بالتغيير الجذري لموقع المرأة أو لموقع الجسد على مسرح الحياة، لقد اتجه النموذج الشعري لقصيدته إلى الموقف النقدي الجذري وهذا ما يبرر الوصلة السياسية في شعره، ذلك لإدراكه التام أن الجسد في حضوره على مسرح الحياة لا يمكنه الانفلات من الطابع الاستهلالي دون نقض البنى السياسية والإيديولوجية القائمة بشكل عنيف، لقد أراد نزار قباني تحرير جسد المرأة من أشكال القمع والإرهاب والتقنين التي فرضتها نظم الأخلاق، أراد تحريرنا من الخوف والإرهاب والمقاومة الشديدة التي يقوم بها الوعي الاجتماعي على ذات كل واحد منا.

لقد كان نزار يدرك بأن تحرير الجسد والحس والشعور الذي يضمن الحياة المدنية فأراد تحويل الاغتراب عن الجسد إلى وجهة أخرى، وذلك من خلال إشهار جسد المرأة المغفل ووضعه على مسرح الخطاب، وهي علاقة ذات طابع تضعيفي تتجه من جسد الرجل إلى جسد المرأة وعلاقة المرأة بجسدها وعلاقة الرجل بجسده إلى العلاقة بالذات وعلاقة الذات بالآخر.

لقد حقق نزار قدرة فائقة على عبور نظام التاريخ الاستهلاكي الذي حول كل شيء إلى سلعة من خلال وضع الجسد معبودا، ولكن لا لاستهلاكه إنما لإنعاشه وإدامته، وإن خلق جميع الشعراء أصناما سياسية وأيديولوجية واجتماعية ثم حطموها فإن صنم نزار بقي على الدوام معبودا، ذلك لأنه عبد جسدا لا تجريدا، عبد روحا لا مصنوعا إيديولوجيا أو ماديا.

لأن كانت الحداثة الشعرية صدع في سؤال الهوية، فإن التصدع الذي خلقه نزار لا يقوم بين الذات المحررة لغرائزها من الخوف والسيطرة والسطوة والتسلط بالضد من الوجود الاجتماعي حسب إنما خلق نوعا من الأزمة التي تتصف بالحركة والتغيير، هذه الأزمة تتحدد في أبعاد عديدة، وهي نوع من الصدام المباشر مع النظام العائلي، وصدام مباشر مع سلطة الرجل، وصدام مباشر مع السلطة الاجتماعية والسياسية، لقد شكل شعره نوعا من نقل الذواتية إلى الحالة النموذجية التي تشتمل على الآخر، وهذا ما جعل نزار في سوء فهم دائم مع الثقافة العربية، فقد عد شعره حتى المتنورون منهم نوعا من الارستقراطية المترفة والمنغمسة في اللذات في المجتمعات التي ذوبها الرفاه الاجتماعي، ولم يدركوا الوسيلة التي خلق بها نزار نظامه، ولا التصدع الكياني الذي خلقه.

لقد خلق نزار نوعا من التصدع الكياني في وضع المرأة كذات قابلة للإنفصال عن الشروط التي حكمت وجودها من الناحية السوسيوثقافية، وأعاد تصوير هذه العلاقة وأخضعها إلى النقد والتحليل، ومما لا شك فيه أن شعريته منحت المرأة وجودا كاملا، وأصبحت حياة المرأة والرجل ضمن شروط الحب والعاطفة معاشة بكل تفاصيلها وجزئياتها، لقد حاول نزار من خلال الاستعارة الكلية زعزعة سلطة المجرد وذلك بالتفاصيل اليومية، التفاصيل التافهة التي تحيط بنا، لقد كان شعره نوعا من التحول المعرفي الذي تمثل لا في طرح السؤال على ما هو موجود، بل في محاولة تجديد شروط هذا الموجود، لقد كان نوعا من التصدع الانطولوجي، نوعا من التمزق الذي صوره نزار في كيان العائلة العربية بعد خضوعها للتحضر المديني، لذلك استحقت كتبه الطرد والنبذ والتهميش والاحراق. لأن جيل الآباء كان يدرك القوة التي تنطوي عليها القصيدة وذلك بتوافقها مع هذا التحديث الذي اجتاحهم يوما بعد يوم، وإن وافقوا على الارتكاز وقبول علامات المدينة الذائعة آنذاك: الأكل بالشوكات والمدى، وارتداء البناطيل والكرفتات والفيونكات وركوب السيارات الفارهة إلا أنهم كانت لديهم الرغبة في أن تبقى كتبه مطرودة لأنها تسقط ثبات الحياة التي استمرت بجعل المرأة ضمن شروطها قرونا من الزمان.

لقد كانت هذه التجربة على المستوى الرمزي نوعا من البيداغوجيا الجديدة والتربية الاخلاقية الجديدة والثقاتفة الاجتماعية الجديدة لأنها مظهر تعلم ، إن شعر نزار هو شعر أخلاقي بالمعنى الكامل للكلمة، إنه قوة جعلت من ضمير المرأة على وجه الاجمال هاجسا لتوكيد المخالفة ونقضا لما هو كائن.

إن ال(أنا) في شعر نزار لا تعني الكائن الانطلوجي المشخص، وإن كانت تعني الجانب الأنثوي في جسد وروح الرجل، إنما هي الآخر بامتياز هي كل آخر يتسع ليشملنا جميعا، هذه الأنا المنشطرة المختلفة هي التباس الذوات ببعضها، الرجل بالمرأة، الأنا بالآخر، الواحد بالمجموع، وباستخدامه للسرد فقد أوصل القصيدة إلى ذروة الوحدة المتعددة، وأوجد مساحة للجدل والحركة داخل مفهوم الأنوثة، فالوعي الأنثوي الذي يلتزم الأنا-السارد، أو الشاعر الذكر هو ضمير معلق، ومن هنا فإن حداثته تكمن في اختلال العلاقة مع ما هو سائد، وهو شعور بالتصدع وباختلال القيم المهيمنة السائدة، إنه نوع من تدمير الأنا الكلية التي يصر المجتمع على تسويتها وفرضها، إنه نوع من الإحساس بالتشظي، إحساس بتهدم الصورة الكلية للعالم داخل الثقافة، لذلك فإن حداثته تكمن في إبراز هوية ما هو مهمش ومطرود ومعزول وخارج الحقيقة السائدة، ما هو خارج الطقس السائد، وقد يكتسب المهمش هويته من هوية الوعي بالاختلاف، ويجعل من اختلافه عن المنظومة الاجتماعية، عن منظومة المحرمات والممنوعات والمرفوضات اختلافا –امتدادا للجسد، وقرابة من الجسد، بعيدا عن الجسد الموروث، إنها الأنا الكلية التي تشملنا جميعا نساء ورجالا.

الشعر والبلاغة المقموعة

إن بلاغة نزار قباني هي بلاغة مقموعة في ثقافتنا، لأن ثقافتنا قامت على معارضة الذات وجعلتها نقضا للمجموع، وأرادتها أن تكون تجاوزا في بعض من أهم أبعادها وهو الاشتمال على الكل، وقد أصبحت حداثة نزار طبقا إلى ذلك أزمة للوعي التاريخي في حداثتنا، هي مأساة الكينونة الممزقة، إنها النقص الذي توجب مواجهته وطرده، إنها الانشطار عن الوعي، الوعي الإيديولوجي الذي صنع الحداثة الرسمية ومهد لها، والتي كانت حداثة متعالية وقفت بإزاء حداثة مشردة، إنها حداثة طاعنة أمام حداثة مطعونة، إنها أزمة حقيقية في جسد الثقافة-الحداثة، إنها صياغة للتصدع والاختلال، اختلال العلاقة بين الأنا والأنا واختلال العلاقة بين الأنا والآخر.

لقد استطاعت حداثة نزار أن تحيد الحيز الذي يفصل الوعي بالجسد عن الوعي بالروح، والذي يعد نوعا من العلاقات الضدية وجعلت منه علاقة مصالحة، وقد كانت التمثيلات في شعره هي أقدر التمثيلات على صياغة التساكن مع التضاد، على صياغة المؤتلف مع المختلف، لقد كان شعره نوعا من القوة المؤسسة على أساس النفي والنفي الآخر، فنزار نموذج للمثقف المنشق بعنف وقوة، وقد استطاع أن يحقق التوازن المعجز بين حركة تحول الأنا إلى آخر وفق كيفية تقدم الذات بالآخر، لقد كان شعره تمردا حقيقيا على هذا الخصاء السايكولوجي في ثقافتنا، إنه تجاوز للإحساس الذي عمر طويلا على فساده وتأمله لذا اكتسب شعره القدرة على التوالد الذاتي في موضوعة واحدة، إلا أنها موضوعة متجددة، متحولة من الهوية السكونية إلى هوية متجددة قادرة على الحركة والنفاذ الفوري والتأثير المباشر على الوعي الاجتماعي بأكمله.

لقد ارتكزت الحداثة العربية على مفهوم اسطورة الموت والانبعاث وقد أرادت من خلالها نقد النظام القائم ولكن بالارتكاز على الموروث، ويشكل بعث هذا الموروث ضغطا أيديولوجيا للحضارات الماقبل إسلامية، لقد أرادت الحداثة العربية أن تستبدل مركزا بمركز آخر يتجاوب مع توجهها الأيديولوجي والسياسي، إلا أن حداثة نزار قامت على اسطورة المرأة ، وعلى اسطورة العلاقة بين المرأة والرجل بدلا من العلاقة التوريثية لاسطورة الأسلاف والأحفاد، وفي الوقت الذي حاولت فيه الحداثة أن تستنفد تراث الأسلاف قام شعر نزار بتدمير هذه العلاقة ونقضها والتعالي عليها، وإن ارتكزت الحداثة على طابع تجريدي، فإن حداثة نزار اتجهت إلى لطابع المحسوس وتدمير كل اسطورة مهما كانت هذه الأسطورة، وإن كانت الحداثة العربية تقوم على مفهوم من مفاهيم المصالحة كانت حداثة نزار تقوم على مفهوم التعارض والهدم والتناقض والتدمير، لقد كانت حداثة مهددة، حداثة مخيفة لأنها مدفوعة بهاجس الخروج أكثر من هاجس الاستكانة والمصالحة، لقد أصبحت الهوية لدى الحداثة العربية معيارا ودمر نزار هذا المعيار، وكانت خاضعة للزمان والمكان والاستمرارية المجروحة، وكانت حداثة نزار خارج الزمان والمكان، وهي حداثة موقوفة، فإذا كانت الحداثة تبحث عن أدب متعال، كانت حداثة نزار تنغمر في الجسد وحميميته، إذا كانت الحداثة العربية تبحث عما هو متعال في الإنسان كانت حداثة نزار تبحث عما هو هالك فيه، لذا فإن الجرح والسقوط أصاب الحداثة العربية وبقيت حداثة نزار مستمرة حتى وإن كانت لحظة متوقفة، لقد شكل نزار مدرسة كاملة في شعر الحب غير أن هذه المدرسة ليس لها مقلدون ولا مريدون أي أنها لم تستطع أن تطور نموذجا مستمرا، إنما هي شكل منقطع في الثقافة العربية والأدب العربي، شكل خاص بنزار وشعره المستمر في الحياة، وذلك بسبب الردة الاجتماعية وسقوط المجتمع المدني وتغير النظرة إلى الجسد عما كانت عليه في أربيعينيات القرن الماضي، أيام ظهور مجموعته قالت لي السمراء.

لقد اصطدمت الحداثة الشعرية العربية بجدار صلب لأن الشروط الاجتماعية والسياسية والثقافية متغيرة بفعل تكونها التاريخي، ولكن ما الذي تغير بحاجات الجسد والروح؟

ما الذي يجعل الجسد المضطرب يتوقف عن مشاعر تكونه؟ لقد تعلق نزار بلحظة أبدية خالدة وبحاجات لا نهائية غير متوقعة ولا مبتذلة ولا متغيرة.

لقد كانت الحداثة العربية حداثة التحام بالشرط السياسي والتاريخي واستبدلت الوعي الماضوي بمفهوم العقيدة ذاته، وخلقت من مفهوم المشروع السياسي الذي صاغه السياسي المحترف مشروعا للحداثة، بينما لا يقترب شعر نزار إلا من شعر جاك بريفير، إنه الحب، الحب الرائع فقط، إن شعر نزار هو الامتداد الممكن لحضور الإنسان كاملا بديلا عن التغييب الذي مارسته السلطة الاجتماعية والأخلاقية على جسده، إنه إعادة للحس الذي أدانه قطاع الثقافة والأخلاق، إنه مأساة الانفصال الكامل عن الزمان والتاريخ والدخول في زمن الجسد الآني، إنه نوع من الالتحام الأنطولوجي بين الذات والذات، إنه الهروب والالتجاء إلى ما هو لا تاريخي من خلال تحيين الآنية للجسد والمشاعر والحس.

لقد اتخذ شعر نزار مسارا معكوسا للحداثة العربية التي انشغلت بالقيم الكلية والمجردة فكان مصيره الاغتراب عنه، لقد اتخذ شعره مسار زعزعة النموذج الذي مثله الأدب الرومانتيكي الذي لامس الحب بميوعته ولم يفجره كنظام أخلاقي أو كتربية أخلاقية.

لقد هاجم نزار قباني كل النماذج التي وضعت خطوطا ولم تتجاوزها، وهكذا مثل شعره نوعا من القطيعة مع المرجعية السياسية والتراثية كمعيار ثابت ومصدر وحدي يحتكر المعنى ويهيمن على الحقيقة.

لقد انهمك نزار قباني في النصف الثاني من القرن العشرين بإعلاء مفهوم الحس، وهذا ما لم تدركه الحداثة العربية التي دفعت الشعر إلى تخوم التجريد، وانتصر فيه كل ما هو إيديولوجي على ما هو حسي بشكل حاسم، وإن أسقطت الحداثة العربية العصمة عن التراث الماضوي فإنها استلهمت التراث الغربي بشكل ثابت، لقد استبدلت مركزا بمركز، ولم يكن شعر نزار يلتزم بمراكز ثابتة ومحددة إنما كانت تدميرا مستمرا لكل الأشكال والنماذج المرجعية في موضوعة الحب الرومانتيكي أو تقنيات الأخلاق الاجتماعية والسياسية.

لقد كان شعره نموذجا للحب المعلمن، كبعد من أبعاد الحداثة، كان شعره نموذجا للحب المديني وتعميقا له ولهويته الخاصة، لقد زعزع الصورة الكلية للعالم إشارة إلى زعزعة صورة الأخلاق وموقع المرأة الذي كان سائدا أوانذاك، وكان الوعي بهذه الأزمة والصدع الهائل الذي نفذه يؤدي شيئا فشيئا إلى وعي الالتزام الحاسم بالنموذج الشعري الجديد الذي تفجر في العراق بعد الحرب العالمية الثانية، وهو نظام التفعيلة، فالتصور المديني الذي أطاح بنظام الشطرين كان يتطابق مع متطلبات الإيقاع المديني المضطرب والمتنوع، بعيدا عن الرتابة التي يتطابق فيها النظام الإيقاعي القديم مع مجتمعات ما قبل المدينة الحديثة.

الحداثة الشعرية والبوب آرتس لقد اقترب شعر نزار قباني من نموذج (شعر البوب) الشعر الشعبي الذي له صيرورة عالية ولا سيما بين الشباب، ابتداء من المفاهيم الفضاء الإكسسوارات وانتهاء بالزي والمطعم والمسكن وأخلاق الحب، وابتداء بالنظام الشكلي الوزني والإيقاعي وانتهاء بالمنظومة الدلالية وما يشكلها على المستوى البلاغي طباق جناس مجاز مرسل استعارة كناية.

في الواقع لم يتوقف الجديد طوال التاريخ عن انتاج نماذج وأنواع مغايرة ومناقضة لما قبله، بل نشهد أحيانا خروقات حادة للفكر السائد، ولكنه ينضوي تحت النموذج ذاته، لأنه لا يشكل مراجعة شاملة لنظام أو قطيعة مع النظام التأسيسي نظام معرفي جديد بينما كان شعر نزار لا يتوقف على الخرق والتجاوز والانتهاك، إنما كان يؤسس منظومة معرفية جديدة، وأخلاقا للحب جديدة، وصورة للحب الكاسح جديدة.

إن شعر نزار ضمن مفهوم الحداثة هو نوع من إسقاط صفة القداسة عن الأخلاق الموروثة، وقد رسم في قصائده تقنية جديدة لهذه الأخلاق، وانطلق بها نحو التساؤل، ولذا حاول أن يبحث عن نثرية العالم في جسد المرأة المغيب، لقد سقط الطابع التجريدي للأخلاق ولم يعد النموذج الأخلاقي سلطة في شعره، كما أن المرجعية الاجتماعية لم يعد لها موضع سلطة على الحب، ولم يعد الحب يعاش على الميوعة الرومانسية الأخلاقية السابقة والتي تجذرت في الثقافة العربية، إنما أصبح الحب معاشا عبر تجربة الحب ذاتها، لقد تحول التجريد إلى مشخص وتحرك نزار إلى تدمير المطلق التاريخي من خلال المصور الجسدي، فالتعميمات بوصفها سلطة ونظاما أخذت بالاهتزاز، ولم تعد مركزا للحقائق النهائية وأصبح حضور الجسد هو المرشح لكتابة التجربة، فلم يكن إيقاظ الجسد حقيقة حسية حسب، إنما استعارة وتمثيلات لما هو خارج ومهمش ومغيب ومطموس سياسيا واجتماعيا وثقافيا.

لقد أصبح الجسد في شعر نزار قباني صالحا للاستخدام الرمزي ومركزا دلاليا قابلا لبث معان جديدة ومفاهيم جديدة، لقد أصبح الجسد صورة معبرة عن مفهوم الحداثة، الحداثة بوصفها مفهوما مقوضا ومهدما، لقد أصبح الجسد هو العنصر الكائن في النظام والذي يسمح باستبدالات لا حصر لها، لقد أصبح العامل النظمي القابل على المستوى البرادغماتي باستبدالات لا حصر لها لتقويض السياسي والأخلاقي والاجتماعي، إن هذه القابلية الاستبدالية أفقدت الحداثة المركز الذي كان دائماً عرضة للتدمير والهدم، فالحداثة هي المنظومة القابلة على التغير دائماً على المستوى الرمزي، ولذا فإن لها القابلية على الانفلات من التقويض.

وافتتح نزار قباني في الشعر منحا غنائيا مقتربا من اليومي والمعيشي بجزئياته دون أن يتخلى عن مسافة التأمل التي تعيد إرساء المفاهيم والبنى الموروثة، ومن هنا فإن نزار قباني قد أعاد كتابة الإسطورة القديمة للمرأة بعناصر جديدة ومعاصرة وحديثة، إنه لم ينسف محور الاستبدال في الإسطورة القديمة بل شحنه بتفاصيل الحياة المعاصرة المستجدة، ومن هنا كانت الهزة التي أحدثها شعره، والجاذبية التي حظي بها، وإذا كان المعاش في شعر نزار قباني محددا في إطار علاقة المرأة بالرجل، فإنه حاول أن يموقع تجربة الحب في إطار تحريم شامل للإنسان، أراد أن يخلق صورة العالم في وعي الثقافة منافية للذاكرة القديمة، إن ولادة الجسد عبر إعادة الاعتبار لمشاعره وإحساسه هي عملية تحرير الذاكرة المكبوتة بقوة الثقافة الرسمية وقوانينها، إنها مواجهة بين الذات والآخر في إطار إعادة تصور هذا الماضي، حيث يتم استفسار المكبوت بشكل فوري ليحل محل المكبوت التاريخي والسياسي.

في الواقع إن المحمولات التاريخية تتقاطع على جسد المرأة في شعر نزار قباني، لأنه حاول أن يفجر في كلمة (جسد) قوة إيحائية، فهذه المفردات توسع مجال الدلالة لتمس الذاكرة مسا عنيفا، وتتحول بفضل إثارتها الحسية إلى مجال ساحر قادر بقوته على أن يخلق قطيعة مع المرجعية الأخلاقية التي حولت الجسد إلى مخبوء، لقد حاول أن يهدم النموذج من خلال استفزاز الذاكرة لتكشف عما تخبئه حتى وإن كان هذا المخبوء متوترا وعاديا، فقد تلعب الكلمة هنا بفضل المجال التنظيمي التي تشتمل عليه دور الأسطورة المعاصرة، الأسطورة القادرة على بعث التجربة والكشف عنها، وهذا يعني إسقاط صفة المطلق عن أخلاق العبودية، فالانفصال عن التفكير الجمعي لأخلاق الحب الذي كرسته قرون من العبودية العثمانية والمملوكية: أخلاق الحريم والسراي والبغاء والرقيق الأبيض، هي حداثة أخلاقية، فالأخلاق الجديدة بفضل تاريخيتها وبفضل تعاليها على الثوابت التي تآكلت عند حتميتها، تشكل من هذا المنظور الحداثة بمعناها الحصري، الحداثة بمعناها الهائل للحضور الإنساني، إنها حركة إزاحة وخلخلة، حركة انزياح للمعنى ومحور القيم، إنها حداثة مفارقة لما هو كائن، وموجدة طالما هذا الموجود تعطل وتآكل وتفتت، إن لغة الحب هي لغة التجربة الخالصة الإنسانية هي اللحظة الكلية التي تستوعب صورة العالم بكل إطلاقها وشمولها، لقد جعل نزار في شعره للرغبة فضاء وحيزا، وللجسد فضاء وحيزا، وجعل للتعبير الإنساني وصروحه فضاء وحيزا، ونقل لغة الحب من إسراريتها ومنعها وتابوها، إلى ما هو يومي ومعاش، إلى ما هو إنساني وتجربة إنسانية، إنها رؤية تتحرك في اتجاهات مختلفة، إنها محاولة للإيغال في المتصور النقدي لأن مشروع الحداثة يقوم على المراجعة الدائمة، إنه حركة دائمة، ولا ينفصل النقد عن هذه الحركة المؤثرة التي لها قوة السريان والانتشار، إنها القوة التي تهدد المحاكاة وتهدد الاستيهامات والنماذج الراسخة، إنها أخلاق جديدة تضع نفسها بديلا عن أخلاق المحاكاة والتشابه، إنها إعادة إنتاج الأخلاق والتربية التي أصبحت ذات قوة طوطمية، إنها إطاحة حقيقية بمفهوم العقيدة التي تقوم على التقليد والاتباع، إنها إطاحة بالأوثان الأخلاقية والشعرية التي اكتسبت صفة القداسة، ولذلك اتهم شعر نزار بالجنون والهرطقة

أغلى الغاليات
04-02-2008, 02:15 AM
يسلموووووووو أخويا على الطرح^^